سيد محمد طنطاوي
174
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ويدسه من الدس بمعنى الإخفاء للشيء في غيره . والمراد به . دفن الأنثى حية في التراب حتى تموت ، وهو المشار إليه في قوله - تعالى - : وإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ . بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ . أي : أن هذا المشرك بعد أن يبشر بولادة الأنثى ، يدور بذهنه أحد أمرين : إما أن يمسكها ويبقيها على هوان وذل ، وإما أن يدسها ويخفيها في التراب ، بأن يدفنها فيه وهي حية حتى تموت . والجار والمجرور في قوله « على هون » يصح أن يكون حالا من الفاعل وهو المشرك : أي أيمسك المبشر به مع رضاه - أي المشرك - بهوان نفسه وذلتها بسبب هذا الإمساك . ويصح أن يكون حالا من المفعول وهو الضمير المنصوب . أي أيمسك هذه الأنثى ويبقيها بقاء ذلة وهوان لها ، بحيث لا يورثها شيئا من ماله ، ولا يعاملها معاملة حسنة . ومن بلاغة القرآن أنه عبر بقوله « أيمسكه على هون » ليشمل حالة المشرك وحالة المبشر به وهو الأنثى . وقوله - تعالى - : * ( أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ ) * . ذم لهم على صنيعهم السيئ ، وعلى جهلهم الفاضح . أي : بئس الحكم حكمهم ، وبئس الفعل فعلهم ، حيث نسبوا البنات إلى اللَّه - تعالى - ، وظلموهن ظلما شنيعا ، حيث كرهوا وجودهن ، وأقدموا على قتلهن بدون ذنب أو ما يشبه الذنب . وصدر - سبحانه - هذا الحكم العادل عليهم بحرف « ألا » الاستفتاحية : لتأكيد هذا الحكم ، ولتحقيق أن ما أقدموا عليه ، إنما هو جور عظيم ، قد تمالئوا عليه بسبب جهلهم الفاضح ، وتفكيرهم السيئ . أسند - سبحانه - الحكم إلى جميعهم ، مع أن من فعل ذلك كان بعضا منهم ، لأن ترك هذا البعض يفعل ذلك الفعل القبيح ، هذا الترك هو في ذاته جريمة يستحق عليها الجميع العقوبة ، لأن سكوتهم على هذا الفعل مع قدرتهم على منعه يعتبر رضا به . ثم أتبع - سبحانه - هذا الذم لهم بذم آخر على سبيل التأكيد فقال - تعالى - : * ( لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ ولِلَّه الْمَثَلُ الأَعْلى وهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) * . والمثل : الحال والصفة العجيبة في الحسن والقبح . والسوء : مصدر ساءه يسوءه سوءا ، إذا عمل معه ما يكره ، وإضافة المثل إلى السوء للبيان .